الأربعاء، 24 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/04م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
جريدة الراية:   لعنة الاستعمارتلاحق فرنسا

بسم الله الرحمن الرحيم

في أيلول/سبتمبر 2026م، بدأت إضرابات المعلمين في فرنسا احتجاجاً على نقص الكوادر التعليمية، وسوء أوضاع المدارس. ثم انضم الطلاب إلى الاحتجاجات، فأُغلقت بعض المدارس، ونُظمت مظاهرات في مختلف المدن، ومع طرح الحكومة إجراءات مالية صارمة اتسعت دائرة المطالب لتشمل الإنفاق العام، والرواتب، ومستوى المعيشة. ولم تلبث الاحتجاجات أن امتدت إلى قطاعات أخرى، شملت الصيادين، والعاملين في قطاع الطاقة، والشرطة، والنقابات، وسط تصاعد الاستياء من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وتكاليف المعيشة.

 

Al Raya sahafa

 

2026-11-04

 

جريدة الراية: 

لعنة الاستعمار

تلاحق فرنسا

 

 

في أيلول/سبتمبر 2026م، بدأت إضرابات المعلمين في فرنسا احتجاجاً على نقص الكوادر التعليمية، وسوء أوضاع المدارس. ثم انضم الطلاب إلى الاحتجاجات، فأُغلقت بعض المدارس، ونُظمت مظاهرات في مختلف المدن، ومع طرح الحكومة إجراءات مالية صارمة اتسعت دائرة المطالب لتشمل الإنفاق العام، والرواتب، ومستوى المعيشة. ولم تلبث الاحتجاجات أن امتدت إلى قطاعات أخرى، شملت الصيادين، والعاملين في قطاع الطاقة، والشرطة، والنقابات، وسط تصاعد الاستياء من ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وتكاليف المعيشة. وقد شارك نحو 550 ألف شخص في المظاهرات الأخيرة. وبينما ظل معظم المحتجين سلميين، انخرطت مجموعات متشددة، وعناصر تخريبية في بعض التحركات، فتحولت أجزاء من الاحتجاجات إلى أعمال نهب وإحراق، واشتباكات مع الشرطة.

 

وفي خضم هذه الأحداث، حاول الرئيس ماكرون، التركيز على أعمال النهب والتخريب، مستفيداً من التغطية الإعلامية الواسعة لهذه الأحداث، بدل البحث عن الأسباب الجوهرية للأزمة! غير أن اختزال المشهد في تلك التجاوزات لا يعالج جذور المشكلة، ولا يفسر اتساع رقعة الاحتجاجات، وتعدد الفئات المشاركة فيها. فالأزمة، كما أشار إليها ماكرون نفسه، ترتبط باختلالات هيكلية، تراكمت على مدى سنوات، أبرزها ارتفاع الدين العام، وضعف الإنتاجية، وعدم كفاية الإنتاج في بعض القطاعات، إلى جانب تحديات اقتصادية ومجتمعية أخرى.

 

إن إرجاع أزمة فرنسا إلى سبب واحد يُعد اختزالاً مُخلاً بحقيقة المشهد. فبينما يعزو رئيس أمريكا ترامب، جانباً من المشكلات التي تواجهها الدول الغربية إلى الهجرة، يرى آخرون أن الاختلالات البنيوية في النظام الرأسمالي أسهمت في تعميق الأزمات الاقتصادية والمجتمعية.

 

ومع أهمية هذه العوامل، ثمة جانب آخر لا ينبغي إغفاله، وهو تراجع بعض الامتيازات الاقتصادية، التي تمتعت بها فرنسا نتيجة انحسار نفوذها العسكري والسياسي في أفريقيا، ولا سيما في شمال القارة وغربها.

 

وهنا لا بد من التذكير بالاستعمار الفرنسي وإرث الامتيازات الاقتصادية؛ فقد مثّل الاستعمار، على مدى عقود، أحد مصادر نفوذ فرنسا الاقتصادي، ومكنها من بناء علاقات غير متكافئة مع عدد من مستعمراتها السابقة. وبعد الحرب العالمية الثانية، وبالتزامن مع تصاعد حركات التحرر، سعت فرنسا إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع مستعمراتها، للحفاظ على مصالحها ونفوذها، حتى بعد انتهاء السيطرة الاستعمارية المباشرة.

 

وفي هذا السياق، أنشئ الفرنك الأفريقي في كانون الأول/ديسمبر 1945، في عهد شارل ديغول، عقب مصادقة فرنسا على اتفاقية بريتون وودز. ووفقاً لمؤسسة بروكينغز، أصبح الفرنك آنذاك عملة مستخدمة في مستعمرات فرنسا بأفريقيا. ولا يزال يُستخدم اليوم في 14 دولة أفريقية، ضمن ما يعرف بمنطقة الفرنك الأفريقي، ويرتبط سعر صرفه باليورو.

 

وتضمن الخزانة الفرنسية قابلية تحويل العملة وفق ترتيبات نقدية محددة، فيما تنص الاتفاقيات ذات الصلة على إيداع نسبة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى الخزانة الفرنسية، وقد بلغت هذه النسبة، وفقاً للتقارير المنشورة، 50% في إطار الترتيبات النقدية المعنية.

وقد أثارت هذه الترتيبات جدلاً واسعاً بشأن السيادة النقدية للدول الأفريقية، ومدى تأثيرها في استقلال قراراتها الاقتصادية، وما إذا كانت تحقق مصالح متبادلة أم تُبقي جانباً من نفوذ فرنسا قائماً بأشكال جديدة.

 

وإلى جانب الترتيبات النقدية، حافظت الشركات الفرنسية على حضور اقتصادي ملحوظ في أفريقيا. فعلى الرغم من أن فرنسا ليست المستثمر الوحيد في المنطقة، فإن شركاتها راكمت استثمارات واسعة في عدد من الدول الأفريقية. ووفقاً لما نشرته صحيفة فرنسا اليوم، يبلغ إجمالي رصيد استثمارات فرنسا في أفريقيا نحو 51 مليار يورو، موزعة على أكثر من 4400 فرع لشركات فرنسية. كما بلغت صادراتها إلى دول شمال أفريقيا وغربها نحو 33 مليار يورو عام 2022، بحسب بيانات الجمارك الفرنسية، وفقاً لما أورده موقع نون بوست في 4/10/2023.

 

وتبرز في هذا السياق قضية الموارد الطبيعية، ولا سيما اليورانيوم في النيجر، الذي ارتبط استغلاله تاريخياً بمصالح الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها شركة أورانو العاملة في القطاع النووي. وقد مثّلت النيجر لسنوات طويلة أحد مصادر إمدادات اليورانيوم للصناعة النووية الفرنسية، وهو ما جعل العلاقة بين البلدين تتجاوز حدود التعاون التجاري إلى قضايا أوسع تتعلق بالسيادة على الموارد الطبيعية وتوزيع عوائد استغلالها.

 

وقد شهدت علاقات فرنسا مع عدد من الدول الأفريقية تدهوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ورافق ذلك تراجع وجودها العسكري في منطقة الساحل. فقد انسحبت قواتها من مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو بين عامي 2022 و2023، في ظل تصاعد الخلافات السياسية والأمنية. كما أعلنت تشاد، في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إنهاء اتفاقيات التعاون الدفاعي مع فرنسا، وطالبت قواتها بمغادرة أراضيها. وقد حذت السنغال حذوها.

 

ولم يخف ماكرون التحديات التي تواجه بلاده في القارة الأفريقية. ففي خطاب ألقاه في 27/2/2023 بشأن الاستراتيجية الدبلوماسية الفرنسية في أفريقيا، تناول التحولات التي تشهدها القارة، والمنافسة الدولية المتزايدة فيها، في ظل تراجع نفوذ فرنسا في عدد من المجالات الاقتصادية والاستراتيجية.

 

ولا يقتصر مشهد فرنسا الاقتصادي على تراجع النفوذ الخارجي، بل يتزامن ذلك مع صعوبات داخلية تواجه الشركات الفرنسية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة العربي الجديد في 6/12/2025، استناداً إلى بيانات البنك المركزي الفرنسي، إلى تسجيل 68 ألفاً و564 حالة إفلاس للشركات خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في كانون الأول/ديسمبر 2025.

 

وفي المقابل، لم تعد القارة الأفريقية تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي تجارة فرنسا الخارجية. فبحسب ما أورده موقع نون بوست في 4/10/2023، بلغت هذه النسبة نحو 5.3%، في مؤشر على محدودية الوزن النسبي للتجارة مع القارة ضمن مجمل المبادلات التجارية الفرنسية، رغم الأهمية التاريخية للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين. ومع توسع نشاط الشركات الصينية والأمريكية، وغيرها من الشركات الدولية في الأسواق الأفريقية، تراجعت المكانة النسبية لبعض الشركات الفرنسية، واضطرت شركات منها إلى تقليص نشاطها أو مغادرة بعض الأسواق.

 

ومن الواضح أن نفوذ فرنسا في أجزاء من شمال أفريقيا وغربها أتاح لها تاريخياً فرصاً اقتصادية واستراتيجية واسعة، في حين ظلت دول أفريقية عديدة تعاني الفقر وضعف التنمية، على الرغم مما تمتلكه من موارد طبيعية هائلة. وتثير هذه المفارقة أسئلة مشروعة حول طبيعة العلاقات الاقتصادية التي نشأت في ظل الاستعمار، ومدى استمرار بعض آثارها بعد (الاستقلال).

 

من هنا، أوجّه رسالة إلى المسلمين كافة، وإلى شعوب أفريقيا خاصة:

 

إن تراجع نفوذ فرنسا في بعض الدول الأفريقية يعد خطوة مهمة في مسار الانعتاق من الاستعمار، لكن لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف. فالتحرر الحقيقي لا يكتمل بمجرد خروج القوات الأجنبية، أو إنهاء اتفاقيات التعاون العسكري، بل يتطلب بناء استقلال اقتصادي وسياسي حقيقي، يقوم على أساس الإسلام.

 

إن استبدال نفوذ أمريكا أو روسيا أو الصين بنفوذ فرنسا، لا يضمن تحقيق مصالح الشعوب الأفريقية، بل سيؤدي إلى إعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة.

 

إن المطلوب ليس استبدال قوة أجنبية بأخرى، وإنما بناء دولة قادرة على إدارة مواردها، وتوجيه ثرواتها نحو التنمية، وتأسيس علاقات دولية قائمة على أساس العقيدة الإسلامية. وإن شعوب شمال أفريقيا وغربها، بما تمتلكه من موارد طبيعية وموقع استراتيجي وإرث حضاري إسلامي، قادرة على بناء مستقبل زاهر، شريطة أن تتحول المطالبة بالتحرر من النفوذ الأجنبي إلى مشروع عملي للتنمية، والتكامل الاقتصادي، وإقامة مؤسسات قوية، وتحقيق الوحدة في المصالح والمواقف.

 

فلتكن التحولات التي تشهدها أفريقيا، بداية مرحلة جديدة من الاستقلال الحقيقي، القائم على عقيدة الإسلام العظيم.

 

بقلم: المهندس حسب الله النور – ولاية السودان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع