- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
حين تتقدم السفن وتتراجع لغة الدبلوماسية
الخبر:
قال الوزير المسؤول عن خفر السواحل يوم الاثنين إن تايوان يجب أن تكون سيدة معلوماتها البحرية وأن تجري مسوحاتها البحرية الخاصة نظراً لأن مصير الجزيرة يعتمد على حماية مياهها.
وقد اشتكت تايوان من تصعيد الصين لحملة مضايقات تهدف إلى فرض سيادتها وولايتها القضائية على مياهها باستخدام سفن خفر السواحل وسفن الأبحاث العلمية. ولا تعترف الصين بأي مزاعم سيادة لتايوان. (رويترز)
التعليق:
ليست أهمية تحركات الصين حول تايوان في عدد السفن التي تتحرك في البحر، وإنما في الدلالة السياسية لما يجري؛ فالصراع لم يعد مقتصراً على امتلاك القوة العسكرية، بل امتد إلى القدرة على التأثير في الطرق التي تتحرك عبرها التجارة والطاقة والإمدادات، وهي من أهم مقومات القوة الاقتصادية للدول.
فتايوان تدرك أن أمنها لا يتوقف على قدرتها العسكرية وحدها، وإنما على بقاء الطرق البحرية مفتوحة أمام الإمدادات التي تحتاج إليها. ولذلك فإن تزايد دوريات الصين حول الجزيرة يثير مخاوفها من أن تتحول هذه التحركات، في حال تصاعد المواجهة، إلى وسيلة للتضييق على حركة الملاحة والضغط عليها دون الحاجة إلى الدخول في حرب شاملة.
وهنا تظهر إحدى حقائق الصراع الدولي؛ فالدولة لا تحتاج دائماً إلى إغلاق الممر البحري حتى تستفيد منه سياسياً، بل قد يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد حركة الملاحة فيه، أو رفع كلفة المرور عبره، أو جعل الطرف الآخر مضطراً إلى إعادة حساباته الاقتصادية والعسكرية.
وإذا وضعنا هذه التحركات في إطار الصراع بين أمريكا والصين، اتضحت أهمية المسألة أكثر؛ فأمريكا تمتلك تفوقاً بحرياً وشبكة واسعة من التحالفات تمنحها قدرة كبيرة على التأثير في البيئة الأمنية للممرات الدولية، بينما تعمل الصين على توسيع حضورها البحري وتقليل مواطن ضعفها التي يمكن استغلالها للضغط على اقتصادها.
والمفارقة أن الصين نفسها تواجه مشكلة الاعتماد على الممرات البحرية؛ فهي من أكبر مستوردي النفط في العالم، وتعتمد في جانب كبير من إمداداتها على النقل البحري. ولذلك فإنها، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تعزيز قدرتها على التأثير في محيطها البحري، تعمل كذلك على تنويع مصادر الطاقة وطرق وصولها، والتوسع في الكهرباء والتكنولوجيا والصناعات التي تقلل حاجتها إلى النفط المستورد.
وهذا يكشف أن الصراع بين أمريكا والصين ليس مجرد تنافس على المواقع الجغرافية، بل هو أيضاً صراع على الزمن. فأمريكا تمتلك اليوم أدوات قوة تستطيع التأثير بها في حركة التجارة والطاقة، بينما تسعى الصين إلى تطوير قدراتها الاقتصادية والصناعية بحيث تصبح أقل تأثراً بهذه الأدوات مستقبلاً.
غير أن امتلاك القدرة على الضغط لا يعني القدرة على استخدامها دون ثمن؛ فاضطراب الملاحة في منطقة تمر عبرها تجارة دولية واسعة لن يقتصر أثره على طرف واحد، بل سيمتد إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والاقتصادات المرتبطة بها. ولذلك تبقى الممرات البحرية أدوات للتأثير والردع والمساومة، وليس بالضرورة ساحات لحصار شامل.
إن ما يجري حول تايوان يكشف جانباً من التحول في طبيعة القوة الدولية؛ فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل أصبحت القدرة على حماية طرق الإمداد، وتأمين الطاقة، وامتلاك التكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على الخارج، عناصر متداخلة في الصراع على المكانة والنفوذ.
فالدول الكبرى لا تنتظر وقوع الأزمات حتى تفكر في مصالحها، وإنما تعمل على بناء أدوات القوة التي تحتاج إليها قبل وقوعها، وتستعد لاحتمالات المستقبل وهي تدرك أن من يفقد السيطرة على احتياجاته الحيوية قد يفقد معها جانباً من استقلال قراره السياسي.
وأمام هذا الصراع الذي تتسابق فيه الدول الكبرى على حماية مصالحها وتأمين طرق تجارتها ومصادر قوتها، يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل المسلمين وهو أين أمتنا من هذه المعادلات، وهي التي تملك من المواقع الاستراتيجية والثروات ومصادر الطاقة ما يجعلها قادرة على التأثير في موازين القوى الدولية؟
أيها المسلمون: إن بلادنا ليست فقيرة بمقومات القوة، وإنما هي مجزأة سياسياً، ومقدراتها موزعة بين دول لا يجمعها قرار واحد، حتى أصبحت مواقعها وثرواتها موضع تنافس بين القوى الكبرى، بدل أن تكون عناصر قوة لأمة واحدة تحمل رسالة الإسلام إلى العالم.
ولذلك فإن الواجب لا يقتصر على متابعة الصراع بين أمريكا والصين، أو انتظار الطرف الذي ستكون له الغلبة، بل أن تدرك الأمة أن مكانتها لا تستعاد بالارتهان إلى هذه القوة أو تلك، وإنما بالعمل الجاد لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحد بلاد المسلمين وقرارهم السياسي، وتجمع مقدراتهم، وتطبق عليهم أحكام الإسلام في الحكم والاقتصاد والسياسة.
فلا تجعلوا تبدل موازين القوى سبباً لانتظار ما يصنعه الآخرون، بل اجعلوه باعثاً على العمل والتغيير. فإن الدول التي تملك مبدأً وتعمل لإقامة دولته هي التي تستطيع أن تحمل مشروعها إلى العالم، لا أن تبقى أسيرة المشاريع التي يرسمها لها عدوها.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
دارين الشنطي